كوركيس عواد
215
الذخائر الشرقية
على سبيل المثال ، أن العراق ، وهو القطر الذي كان محور الثقافة العربية ، وكانت له الزعامة الأدبية خلال عدة قرون من العصر الإسلامي ، كانت خزائن كتبه القديمة ، تحوي من المؤلفات التي كانت مخطوطة كما لا يخفى ، عشرات ألوف المجلدات ، وليس فيه اليوم من تلك الآثار الخطية العتيقة إلا ما لا يكاد يذكر . فلسنا نعثر في خزائن كتبه المعروفة اليوم على مخطوطات كتبت في القرن الثاني والثالث والرابع للهجرة إلا في ما ندر . بل إن ما نراه من مخطوطات سبقت كتابتها سقوط بغداد على يد هولاكو سنة 656 للهجرة ، لا يتعدى بعض عشرات المخطوطات . فأين نحن من ذلك التراث العلمي الطائل الذي كتب له الفناء ، فخسر الأدباء والباحثون بفقده فوائد جمة . وقد يكون بعض ذلك التراث القديم لم يفقد ، بل طوى خبره لانزوائه في بعض البيوت ، أو امتدت إليه الأيدي فنقلته من موطنه القديم إلى مواطن أخرى جديدة ، كالذي حدث لتلك المجاميع الكبيرة من المخطوطات العربية المنبثة في جملة من مكتبات أوربة وأميركة . فما من شك في أنها قد نقلت من ديار الشرق بمختلف الوسائل والأساليب ، واستقر بها المقام هناك . ولعل عدد هذه المخطوطات الشرقية التي انتقلت إلى ديار الغرب لا يقل في جملته عن ربع مليون مجلد . ومما استرعى نظري من أمر المخطوطات التي تحتضنها خزائن هذه الأقطار العربية ، أن معظمها غير مفهرس . وإذا قلت إنه غير مفهرس ، فإنما أعني بذلك أن العلم به ما زال بعيدا عن الباحثين المهتمين بشؤون المخطوطات . إذ كيف يتيسر لأحدهم أن يلم بوجود مخطوط ما في إحدى الخزائن دون أن يكون بيده فهرس لتلك الخزانة يهديه إلى ما فيها . وحسبي أن أوضح كلامي هذا بشيء من الأرقام المجملة التي تفصح عن مدى الحاجة إلى فهرسة مجاميع مخطوطات هذه الأقطار ، فأقول : إن في مصر وحدها نحوا من ستين ألف مخطوط غير مفهرس . وفي لبنان عشرة آلاف ، وفي سورية ثمانية عشر ألف مخطوط ، وفي الأردن عشرة آلاف مخطوط ، وأما في العراق فتبلغ نحوا من اثنين وثلاثين ألف مخطوط في أضعف تقدير . فهذه نحو من مائة وثلاثين ألف مخطوط ، كلها يفتقر إلى فهارس مطبوعة تكون مصباحا يضيء السبيل أمام العلماء والمتتبعين ويعرفهم بما في هذه الأقطار من مخطوطات لا يخلو عدد غير قليل منها أن يكون نفيسا حريا بالتحقيق والنشر . هذا من حيث فهرسة المخطوطات . وأما من حيث حفظها وصيانتها ، فلست أغالي